الصلامية.. نخيل يرفع الهامات ونهر يسقي العقول علماً ومعرفة وتسامحاً

في سبعينيات القرن الماضي، اطلق على الصلامية تسمية “موسكو الصغرى”، لم يكن ذلك اللقب من فراغ، بل جاء نتيجة تنوع التوجهات السياسية والفكرية التي سكنت عقول أهلها، بين القومية والاشتراكية والإسلامية، كانت النقاشات تدور في المجالس وعلى ضفاف النهر، بعيداً عن ضجيج التعصب وضيق الأفق.
نهرها الخالد، المعروف بالصلامية المرتوي من عذوبة الفرات، لم يكن يسقي الأرض فقط، بل كان يسقي العقول علماً ومعرفة.
على ضفافه، تخضر البساتين وترتفع النخيل كأنها ترفع هامات أبنائها عالياً، فلاحها يزرع الأرض بيد، ويقرأ نظريات ماركس ويميزها عن الفكر الإسلامي باليد الأخرى، بينما يغرس في أبنائه حب الوطن والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وقدم كثير منهم أرواحهم على مشانق الظلم، دفاعاً عن الكلمة.
تلك الواحة الخضراء حملت في طياتها جيلاً متعلماً، نادراً ما تجد فيها أمياً، بين شهادات البكالوريوس والشهادات العليا، أما نسيجها الاجتماعي فكان متماسكاً، لا يخترقه تعصب عشائري ولا نزاعات فارغة، بل تبنى علاقاتها على التسامح والكلمة الطيبة، حتى من وفد إليها، ذاب في أخلاق أهلها الجميلة وتطبع بعاداتهم.
كان ساكنوها مميزين، رغم التزاماتهم الوظيفية، حرصوا على نظافة شوارعهم وحدائقهم، وعلى كرم الضيافة ورفعة الرأس.
لا تحرم ثمار بساتينها على أبنائها، فهم جميعاً ينحدرون من أبٍ واحد.
لم يعرفوا التبعية لأحد، بل كانوا شامخين مثل نخيلهم، بسطاء في عيشهم، كرماء في عطائهم، متعايشين مع الجميع بمحبة وتسامح، حتى أنهم يضغطون على أنفسهم من أجل حل الخلافات وإرضاء الآخرين.
وحين يحل الليل، تتلألأ بيوت الصلامية بأصوات الضحك والنقاش، يجتمع شبابها وكبارها في مجالس تعرف بـ “التعلولة”، حيث تمتزج الآراء الحرة مع الألفة والمرح.
وفي أفراحهم، لا يغيب “الجوبي” عن ساحات الفرح، أما في أحزانهم، فكانوا جميعاً “معازيب” لضيوفهم، متكاتفين كجسد واحد.
الصلامية لم تكن مجرد واحة خضراء، بل كانت لوحة إنسانية حية، ترسم مزيجاً من الفكر والحضارة والبساطة، وتثبت أن الأرض التي ترتوي من الفرات، لا تنبت سوى نخلاً شامخاً وقلوباً عامرة بالمحبة.





