العنف المنساب عبر النافذة المكسورة

حسيني الاطرقجي/ باحث في الشؤون الامنية
عضو لجنة مكافحة التطرف العنيف المؤدي للارهاب / كربلاء
من النافذة المكسورة تتسلل الاتربة وكل ما تحمل معها من ملوثات والنافذة المتماسكة كالسلسلة، فكما تقاس قوة السلسلة عبر اضعف حلقاته، تُقاس النوافذ بقوة مقارنة عبر اصغر كسر فيها، وعليه فإن نظرية النوافذ المكسورة هي واحدة من أكثر النظريات الاجتماعية تأثيراً وإثارة للجدل في علم الجريمة وعلم الاجتماع الحضري.. طرحها لأول مرة العالمان جيمس ويلسون وجورج كيلينغ في عام 1982 في مقالة نشرت في مجلة “ذا أتلانتيك”. تقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: “الإهمال في معالجة المشاكل الصغيرة – مثل نافذة مكسورة غير مُصلحة – يؤدي إلى انتشار الفوضى والجرائم الأكثر خطورة في المجتمع”. تشبّه هذه النظرية المجتمعات بالبناء، حيث تبدأ التشققات الصغيرة في الزوايا ثم ما تلبث أن تنتشر حتى تهدد البناء بأكمله.. اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على ظهورها، لا تزال هذه النظرية موضع تطبيق ودراسة في مجالات متعددة تتراوح بين علم الجريمة وإدارة الأعمال.
تعود جذور النظرية إلى التجربة الشهيرة التي أجراها عالم النفس الاجتماعي فيليب زيمباردو في عام 1969. في هذه التجربة، وضع زيمباردو سيارتين غير مراقبتين بأبواب مفتوحة وبدون لوحات أرقام، واحدة في حي فقير والأخرى في حي غني.. لاحظ أن سكان الحي الفقير بدأوا بسرقة وتخريب السيارة خلال دقائق، بينما لم يمس أحد السيارة في الحي الغني لفترة طويلة. لكن عندما كسر زيمباردو بنفسه إحدى نوافذ السيارة في الحي الغني، بدأ الناس بكسر النوافذ الأخرى وسرقة محتوياتها، وتحولت السيارة إلى خردة خلال أيام قليلة, بنى ويلسون وكيلينغ على تجربة زيمباردو واستعارا صورة “النوافذ المكسورة” كاستعارة للاضطراب في الأحياء السكنية, ورأيا أن الفوضى والفظاظة في المجتمع تؤدي إلى جرائم خطيرة لاحقاً, وقد قدما تفسيراً نفسياً واجتماعياً لهذه الظاهرة، حيث أن النافذة المكسورة التي لا يتم إصلاحها ترسل رسالة ضمنية بأن “لا أحد يهتم”، وبالتالي لا توجد عواقب للإتلاف والتخريب.
تفترض النظرية أن البيئة المادية والاجتماعية تؤثر بشكل مباشر على سلوك الأفراد, النوافذ المحطمة في المباني، القمامة المتراكمة، والكتابات التخريبية على الجدران – كلها إشارات بصرية توحي بـغياب الرقابة وعدم الاهتمام، مما يشجع الأفراد على الانخراط في سلوكيات منحرفة قد تتصاعد إلى جرائم جسيمة.. تعتمد النظرية على مفهوم “اللاتمدن” الذي يغذي الشعور بعدم الأمان بين الأفراد، مما يساهم في تحطيم العلاقات الاجتماعية بين الجيران. يشعر الأفراد أنهم غير متضامنين فيما بينهم، وبالتالي يكونون أقل ميلاً للدفاع عن القواعد الاجتماعية. هذا التفكك في الروابط الاجتماعية يخلق بيئة خصبة للجريمة والانحراف تصل الى مستويات خطيرة بانماط جمعية تؤسس للتطرف العنيف المؤدي للارهاب.
لذا، ربطا في الامثلة بالنوافذ العالمية مع النوافذ العراقية المكسورة، فنحن امام استباحة كبيرة للنوافذ ابتداءً من نظام البعث المحظور الذي كسر نوافذ المجتمع كافة أمام الايديولوجيا المتوحشة، والتداعيات الكبرى التي لحقت بالنظام الحاكم بعد العام 2003، اذ بدأت المرحلة بمخاضات كبيرة أشبه بصراعات وجودية اهملت كسر النوافذ وطغت عليها وصغرت من حجمها وتهديدها الذي هو بحد ذاته لم يكن محسوسا لدى عامة الناس وربما حتى لدى النخب قياسا بفداحة المشهد الدموي، وعليه تشكل تهديد اخطر من كسر النوافذ او اهمال اصلاحها وهو الاعتياد والتعايش في ظل مساحات مجتمعية مكسورة أو مكسّرة النوافذ يتحول فيها المشهد العام الى صورة مستساغة ومشروعة، وبهذا يتحول مشروع جريمة النوافذ المكسورة الى بيئة خصبة بين يدي أمراء الحرب وارباب المصالح، بالمحصلة تنتج عنه طائفة بأبعادها كافة – طائفة النوافذ المكسورة – المحمية عبر سياسيين ورجال امين ودعاة طائفيين.

إغلاق